جاء رجل إلى الأمام أبي حنيفة النعمان – رحمه الله – وقال: يا إمام: هل رأيت ربك؟
قال الإمام: سبحان ربي لا تدركه الأبصار.
قال الرجل: فهل سمعته؟ هل أحسسته؟ هل شممته؟ هل لمسته؟
فقال الإمام: سبحان ربي، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
فقال الرجل: إن لم تكن رأيته، ولا أحسسته، ولا شممته، ولا لمسته، فكيف ثبت أنه موجود؟
فقال الإمام: هل رأيت عقلك؟
قال: لا.
قال الإمام: هل أحسست بعقلك؟
قال الرجل: لا.
فقال الإمام: هل سمعت عقلك؟
رد الرجل وقال: لا.
فقال الإمام: أعاقل أنت أم مجنون؟
قال الرجل: بل عاقل يا إمام.
فقال الإمام: فأين عقلك؟
قال الرجل: موجود.
قال الإمام: كذلك الله موجود. فالله فوق كل شيء، وليس تحته شيء، وهو في كل شيء – أي بعلمه وإحاطته – لا كشيء في شيء، وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
يقول الكتاب المقدس إن البعض قد رأوا الأدلة الكافية، لكنهم طمسوا معالم الحقيقة عن الله ([1]).
بالفعل كل الآيات المحيطة بالإنسان تدل على وجود الله وإحاطته بالكون وحكمته فيه ظاهرة واضحة لولا كثرة العميان عن الحق .
يقول العلماء: بأن الأرض وهي ذات الحجم النموذجي، يشغل حجمها والجاذبية المناظرة لها، طبقة رقيقة معظمها من غازات النيتروجين والأكسجين، والتي لا تمتد سوى حوالي خمسين ميلًا فوق سطح الأرض. ولو كانت الأرض أصغر في الحجم، سيكون الغلاف الجوي مستحيلًا، ويكون مثلها في ذلك مثل كوكب عطارد. ولو كانت الأرض أكبر في الحجم، سيحتوي الغلاف الجوي على الهيدروجين الحر، شأنها في ذلك شأن كوكب المشترى، فكوكب الأرض هو الكوكب المعروف الوحيد المجهز بغلاف جوي عبارة عن خليط متجانس من الغازات المناسبة والملائمة للحفاظ على النبات والحيوان والإنسان.
أيعقل أن يكون هذا التصميم المعجز في تجانسه وكيفيته من صنع الصدفة والعشوائية المحضة؟
كما أن الأرض تقع على مسافة ملائمة من الشمس. ولو بعدت الأرض قليلًا عن الشمس، كنا سنتجمد جميعًا. ولو اقتربت الأرض قليلًا من الشمس، كنا سنحترق جميعًا. إذا فإن أي تفاوت جزئي في موقع الأرض من الشمس كان سيجعل الحياة على الأرض مستحيلة. وهكذا تبقى الأرض على هذه المسافة المضبوطة من الشمس بينما تدور حول الشمس بسرعة تقدر بما يقرب من ” 67000 ” ميل في الساعة. ولا تنسى دوران الأرض أيضًا حول محورها، وبالتالي يتمتع سطح الأرض بالكامل بدرجتي الدفء والبرودة المناسبتين كل يوم.
بالإضافة إلى ذلك، يتميز القمر بالحجم والمسافة المضبوطتين من الأرض وتأثير الجاذبية. ويتمتع القمر بقدرته على خلق تيارات وحركات المد والجزر المهمة في المحيطات، ومن ثم لا تركد مياه المحيطات، وكذا تتمتع حتى الآن محيطاتنا الضخمة بالانضباط ومن ثم لم تفض على القارات وتغرقها .
فهل يعقل أن يكون هذا التصميم المعجز في تجانسه وكيفيته من صنع الصدفة والعشوائية المحضة؟
أيعقل أن يكون ثبات الجاذبية ، ودوران الأرض حول نفسها مرة كل أربع وعشرون ساعة، وكذا سرعة الضوء الذي لا يتغير على الأرض أو في المجرات البعيدة عنا، وكذا قوانين الطبيعة التي لا تتغير أبدًا من فعل الصدفة المحضة؟ ولماذا يتميز الكون بهذا التنظيم الشديد الذي يجعلنا نثق فيه؟
هذا ما يسمي عند أهل العلم الشرعي بدليل الفطرة، فإن العباد مفطورون على معرفة الله تعالى، ولهذا قال سبحانه: ) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً(([2]).
ويقول النبيr : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)؟ ، ثم يقول أبو هريرة – رضي الله عنه – : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم([3]).
وقد استدل موسىu بهذا الدليل أيضا في مناقشته لفرعون المنكر للربوبية في الظاهر، فيقول تعالى:
) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ* قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(([4]).
وقال أيضا: ) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(([5]).
جُبَير بن مُطْعِمٍ كان كافراً، فسمع النبي صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَقْرَأُ سورة الطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ:
) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ(. قَالَ جبير: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. فكان سماعه لهذا الآيات الكريمات سبباً في إسلامه وهدايته، وكاد قلبه أن يطير من حسن هذا البيان وروعته، وفصاحته وبلاغته، ومن وضوح الحجة وسطوع الحق.
📖 ويحكى عن أبي حنيفة – رحمه الله – أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم الإمام: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة: ما رأيكم في سفينة في نهر دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها فتُرسي بنفسها وتتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟
فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا!!.
فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟!
💡ريتشارد فاينمان، الحائز على جائزة نوبل في الديناميكية الكهربائية الكمية يقول: ” إن سبب خضوع الطبيعة لقوانيين الرياضيات يعد لغزًا. فحقيقة وجود القوانين مهما كانت هو نوع من المعجزة ” !!
فإذا كان الله تعالى لا يُرى في الدنيا، فيكفينا النظر في آياته المرئية في الكون، وآياته المتلوة من الوحي، لكي نوقن لا بوجوده فحسب، بل باتصافه بكل صفات الكمال، وتنزهه عن كل صفات النقص.
﴿ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
***
([3]) أخرجه البخاري (1358) واللفظ له، ومسلم (2658).

