Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ – الله الذي لا يملّ من انتظارك

ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ – الله الذي لا يملّ من انتظارك

ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ – الله الذي لا يملّ من انتظارك

في زوايا الليل الهادئة، حيث ينام الخلق وتخفت الأصوات، يبقى هناك في جلاله وسلطانه من لا يغفل ولا ينام، لا يُشغل عن عبدٍ نسيهُ الناس، أو نسي نفسه.

 هناك، وفي لحظة سكون، يتنزل الرحمن الرحيم، لا ليأخذ، بل ليعطي. لا ليُحاسب، بل ليتودد، فيقول: (هل من تائبٍ فأغفر له)؟

هو لا ينتظرنا بغضب، بل ينتظرنا برحمة. لا يمد يده بالعقوبة، بل بالصفح. لا يُنادينا ليعرض علينا خطايانا، بل ليغفر لنا ما قد جنته أيدينا، ينادينا سبحانه بأحب الأسماء إلينا: ( يا عبادي).

أتعلم؟

نحن من نخجل أن نرجع، نظن أن الذنوب جعلت بيننا وبين ربنا جبالًا، لكن الحقيقة: أنه هو الذي ينادي علينا من خلف تلك الجبال، وينزل إلينا نزولا يليق بجلاله وكماله، لا نحن من نصعد إليه.

ربك هو من ينادي عليك.

وهو أعلم بك منك.

وهو أحنّ عليك من نفسك.

وإن كان أهل الأرض لا يغفرون لك إذا أخطأت، فرب الأرض والسماء ينتظرك إذا أذنبت.

وإن صدك أهل الأرض، فقد فُتحت لك أبواب السماء.

نعم، الله الذي خلقك، ينتظرك. ليس لأنك أطعت… بل لأنه يعلم كم تعبت. ليس لأنك بلا ذنب… بل لأنه يعلم كم من المرات وقعت.

لكنه – سبحان من لا يملّ – ما زال يقول كل ليلة:

(هل من تائب)؟

(هل من مستغفر)؟

هو لا ينادي الملائكة، بل يناديك أنت… نعم أنت الذي ترك، ونسي، وانشغل، أذنب ثم أذنب ، ظلم وطغى.

يناديك وكأنك الوحيد في الكون، هو من يبدأ الخطوة إليك، وهو الذي ينزل إليك، لا لأنك استحققت، بل لأنه كريم، هو الذي يفتح الباب، لا لأنك طرقت، بل لأنه يحب أن تعود.

الناس حين تخطئ تغلق في وجهك الأبواب، لكن ربك حين تخطئ، يفتح لك أبواب السماوات، ويقول لملائكتة: (عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به…)

يا صاحبي، ليس لنا ملجأ إلا هو، فهو الأحنّ، الأرحم، الأجمل، ويكفيك أن تعلم أنه لا يملّ من انتظارك، فهل تملّ أنت من الرجوع؟

ينادي عليك في كتابه قائلا: ) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( ([1]).

ويقول رسولُ الله – r -: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ)([2]).

ومن جميل عفوِ الله: أن يبدل السيئات حسنات، إذا أقلَع العبدُ عن الحرام، وطرق بابَ التوبة والطاعة، فيكرمه الله بجميل عفوِه، فيقول تعالى: ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ( ([3]).

فما أوسع وأجمل عفو الله ، فالعبد يعصي، ويُذنِب، ويسرق، ومع ذلك يُبدِّل الله السيئات حسنات.. فأي كرم هذا؟!

 وأي فضل أعظم من هذا الفضل؟!

وانظر إلى قوله تعالى: ) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(

ومن سعة عفوه: أن جعل رحمته تسبق غضبه، وعفوه يسبق عقابه. ففي الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله – r – يقول: ( إن الله لما قضَى الخلقَ، كتبَ عندَه فوقَ عرشِه: إن رحمتِي سبقَت غضبِي).

  نوع لنا مكفرات الذنوب، فجعل إسباغ الوضوء كفارة ، وذكر الله عقب الفرائض كفارة، وكثرة الخطا إلى المساجد كفارة، وصيام رمضان، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، ودعاء كفَّارة المجلس، والعمرة والحج، وأداء الصلاة المفروضة، والصدقة، والصبر، وحضور مجالس الذكر، والصلاة على النبي – r -؛ كلُّها من مكفرات الذنوب.

سُئِل الفُضيل بن عياض: يا فضيل! لو وقفت بين يدي مولاك -سبحانه-، وسألك: عبدي! ما غرَّك بي؟ ماذا كنتَ تقول؟

قال: ” أقولُ: غرَّتني سُتورُك المُرخاة “؛ أي: سترُك عليَّ غرَّني يارب العالمين.

فهو سبحانه الستّير الذي يسترنا حتى من أنفسنا، فلو فُضِحتَ على حقيقتك، هل كنت ستتحمل نظرات الناس؟

لو ظهرت نواياك كما هي، وخطاياك كما ارتُكبت، ولو انكشفت تلك اللحظات التي ظننتَ أن لا أحد يراك…

هل كنت ستبتسم كما الآن؟ هل كنت ستقف معتدلًا؟

صدقني… ما نحياه ليس بذكائنا، ولا حسن حيلتنا، إنه الستر يا عزيزي، نعم ، ستر الله،

الذي يسترنا كل صباح، وكل مساء، ولا يفضحنا، حتى ونحن نعصيه، لا عن جهلٍ منه، بل عن حِلْم.

لو تأمالت في الناس لوجدتهم يسترون من يحبون ، وربنا يستر حتى من يعصيه. ستجدهم يسكتون عن زلّات من يرجون منهم خيرًا، وربنا يسكت عنا، ونحن لا نرجو إلا الدنيا.

يقول النبي – ﷺ – : ( إن الله حيِيٌّ ستير، يحب الحياء والستر…)

يحب الستر… تخيّل؟

حتى لو جاءك يوم القيامة، وأنت مليء بالذنوب، يقول لك:

( أتدري لما سترتك في الدنيا؟ لأني أريد أن أسترك اليوم).

ما أكرمه، وما أعظمه!!.

ورد في بعض الروايات والآثار، قصة وإن لم تكن حديثًا نبويًا صحيحًا، لكنها ذات معنى عميق يتماشى مع روح الشريعة التي تدعو إلى الصفح والإحسان، وقد استخدمها العلماء والوعّاظ في الترغيب برحمة الله. وهي:

 أن عبدين وقفا بين يدي الله تعالى يوم القيامة،  وكانا متخاصمين في الدنيا، فافترقت القلوب، وتباعدت الأرواح، لم يقتل أحدهما الآخر، لم يسرق، لم يظلم ظلمًا عظيمًا…

لكنه جرح الكلمة يا أخي، ونظرة الجفاء، وثقل العتاب، كان أقسى من وقع السيوف.

قال أحدهما:

“يا رب، خذ لي حقي منه!”

قالها وهو يظن أن له الحق، وكان له.

فقال الله جل جلاله: ( وماذا تفعل بأخيك إذا فنيت حسناته)؟

قال: ” يحمل عني أوزاري!”

عندها ساد صمتٌ يسكن الموقف… وكأن الحسرة تسري في الهواء، لا على الآخر، بل على قلبٍ لم يتعلم الصفح.

وهنا، يقول الله – الرحيم، الستير لعبده الذي يطالب بحقه:

( ارفع بصرك، فانظر)

رفع العبد عينيه…

فرأى قصورًا من نور، وجناتٍ تسرّ الناظرين.

قال: ” لأي نبيّ هذا يارب العالمين ؟ أو لأي شهيد؟”

قال الله: ” لمن يدفع الثمن.”

قال الرجل متعجبا : ” ومن يملك هذا الثمن يا رب؟”

ليرد عليه رب العالمين :

( أنت… إن عفوت عن أخيك).

وإذا بروح الرجل تنتفض من عمقها ، ليقول بلسان المتشبع من الجمال:

” عفوت عنه يا رب…”

فتنادي الرحمة:

“خذ بيد أخيك… وادخلا الجنة.”

مشهد صغير…

لكنه يختصر كل ما ننساه في الزحام:

أن الله لا يريد منا أن ننتصر لبعضنا، بل أن نرتفع ببعضنا.

(ذَٰلِكُمُ اللَّه رَبُّكُمْ)

***


([1]) سورة الزمر، آية : 53 .

([2]) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) ، (6703)، وابن المقريء في (معجمه) ، (531) بنحوه، والبخاري (6309) مختصرًا.

([3]) سورة الفرقان، آية: 70.

Leave a comment

ragabalnagar logo
روابط هامة
كن معنا على الطريق

اشترك معنا لتصلك مقالات، تذكيرات، ومواد إيمانية تُعينك على الخير

برمجة وتصميم  Mohamed Metwally © – جميع الحقوق محفوظة 2026 .