كان الناس قبل الإسلام يعانون من تقسيمهم وُفق طبقات بحسب مجموعة من المقاييس، فمثلاً الرومان قاموا بتقسيم الناس إلى أحرار وغير أحرار، ووهبوا الأحرار منهم جميع الحقوق والحريّات، وحرموا غير الأحرار من كل ما هو من حقّهم، أمّا في الجزيرة العربية فقد كان الرِّق هو المظهر السائد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وذلك نتيجة لما واجهه الناس من الاعتداءات والحروب.
جاء التشريع الإسلامي فيما بعد بقوانينه ومبادئه فأقرَّ المساواة بين الخلق جميعاً، وجعل لهم الحقوق والواجبات نفسها دون النظر إلى شعوبهم وقبائلهم، ولم يجعل الإسلام مقياساً للتفاضل بين الناس سوى التقوى والعمل الصالح. فقال رسول الله r : (إنَّ اللَّهَ قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وتعاظمَها بآبائِها فالنَّاسُ رجلانِ: برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ، والنَّاسُ بنو آدمَ، وخلقَ اللَّهُ آدمَ من الترابِ) ([1]) ، ثمّ قال: ( لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من تراب) ([2]).
وعند الرجوع إلى مصادر الإسلام الأساسية نجد أن الإسلام قد وضع قضية المرأة فى وضعها الصحيح. فلم يشعل الحرب الكلامية أو العقائدية بين الرجل والمرأة، بل نظر الإسلام إلى القضية على أساس أنها قضية الإنسان الذي يتكون من ذكر وأنثى، لا تتكامل الحياة إلا بهما ولا تستقيم حياة المرأة إلا بالرجل ولا حياة الرجل إلا بالمرأة.
إذاً فالإسلام أصَّل القضية وتناولها على أساس أنها احتياج متبادل، ورعاية متبادلة وتكامل ومودة ورحمة، بهذه العلاقة المتبادلة يستطيع الإنسان أداء رسالته على الأرض ذكراً كان أو أنثى، ولتعميق مبدأ المساواة المبنية على التعاون والتراحم نادى القرآن على الطرفين مذكراً إياهم بأصل النشأة والخلق: ( يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ([3]). وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )([4]).
هنا يشعر المتأمل الجيد أن الآيات رسَّخت وأسَّسَت قاعدة التكامل والتعاون التى تهدف فى النهاية إلى عمارة الأرض التى هى الوظيفة الأساسية للإنسان على هذه الأرض وهى العبادة بأوسع مفهوم، وتحقيق العدالة والمساواة والقضاء على الظلم بكل أنواعة.
والمتأمل فى قول رسول الله r فى الحديث الذي روته لنا السيدة عائشة – رضي الله عها – أنها قالت: قال رسول الله r : ( إنَّما النِّساءُ شقائقُ الرِّجال )([5]).
فالمساواة فى الشريعة الإسلامية قد تكون موافقة للعدل من بعض جوانبه، فالعدل فى الإسلام هو إعطاء كل ذي حق حقه من غير تفرقة بين المستحقين ودون النظر إلى الأمور العارضة على الطبيعة الإنسانية من اختلاف الحسب والنسب أو المال أو الجنس أو الدين([6]) إلا ما فرضته الفطرة البشرية من اختلاف بين الرجل والمرأة والتي يكون المساواة معها من باب الظلم وليس من العدل في شئ.
وقد أمر الله تعالى بالعدل فى كثير من آيات القرآن الكريم فقال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)([7]). وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)([8]) . وقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)([9]) ، فالعدل وليد المساواة ويأخذ منها أساسَ وجوده، فالعدل المطلق في الإسلام ناشئ عن المساواة الكاملة في الحقوق بين جميع الناس ويقول r: ( النَّاسُ متساوُونَ كأسْنانِ المشط ليس لأحدٍ على أحد فضل إلا بتقوى الله ) ([10]).
ومبدأ المساواة في الشريعة الإسلامية يتضمن أُسساً أربعة، لابد من توافرها وتحققها حتى يتحقق مبدأ المساواة وهذه الأسس هى:
أ – المساواة في القيمة الإنسانية:
ويقصد بها مساواة جميع أفراد الإنسانية في أصل ووحدة النشأة بكل مراحلها وتطورها دون النظر إلى الجنس أو اللون أو الهيئة أو حتى ظروف المعيشة([11]). فالكل سواسية أمام نظر واعتبار الشارع، فالله سبحانه وتعالى قد خلق آدم، وخلق منه حواء واحدة ثم زوّجها له، وبعدها كان النسل الذي تفرع منهما إلى ذكر وأنثى، ثم جاء التكليف الذي يساوى بين الرجال والنساء دون تفرقة فقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ([12]).
ب – المساواة فى العقيدة والتكاليف الدينية:
ويقصد بها إلزام الجميع من ذكر وأُنثى بعبادة الله وحده لا شريك له والإيمان بالملائكة والكتب والرسل والجنة والنار وغيرها من العقائد الصحيحة الثابتة وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ([13]).
ج – المساواة فى المسؤوليه والجزاء:
وهي استقلال كل فرد من أفراد المجتمع في تحمل المسؤولية والجزاء عليها وفقا للمعايير الذاتية التي قررها الإسلام بالاعتبارات الآتية:
- شخصية المسؤولية والجزاء:
وهذا ماقرره القرآن الكريم بقولة تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ([14]).
- بلوغ الدعوة والعلم بالشرع:
مصداقاً لما جاء فى قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)([15]). ولذا أرسل الله عز وجل الرسل والأنبياء من حين إلى حين على امتداد التاريخ البشري من أبي البشر آدم عليه السلام إلى سيدنا محمدr ؛ لذلك يعتبر هذا الشرط من أهم شروط المسؤولية وهو إبلاغ الإنسان بما هو مفروض وواجب عليه فعلاً أو تركاً.
- التكليف وانتفاء عوارض الأهلية :
والأهلية عند الأصوليين هى: عبارة عن صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه واعتبار فعله شرعاً ([16])، وعند الفقهاء: صفة يقدرها الشارع في الشخص تجعله محلاً صالحاً لخطاب تشريعي([17]). والإنسان من أول وجوده في الحياة تثبت له الصلاحية لأن تكون له حقوق وعليه واجبات سواء كان بالغا أم كان صبيا، وسواء كان رشيدا أم غير رشيد، وسواء كان ذكرا أم أنثى، وسواء كان حرا أم عبدا([18]) دون توقف على قدرته على مباشرة كسب الحقوق وأداء الواجبات، وهذا ما يسمى في الاصطلاح الأصولي عند علماء أصول الفقه بأهلية الوجوب.
ولم يفرق الفقه الإسلامي منذ عصوره الأولى بين الأحرار والرقيق ولا بين الذكر والأنثى في ثبوت هذه الصلاحية، بل جعلها لجميع أفراد البشر فهو في هذا يباين القانون الروماني الذي كان لا يعتبر الرقيق شخصاً حتى يثبت له الشخصية القانونية، وإنما كان يعتبره مجرد شيء وهذا يدل علي مدى سمو وعظمة الإسلام وتكريمه للإنسان واستقلال فقهه عن القانون الروماني([19]).
غير أن الإنسان عند مباشرته للحقوق وآدائه للواجبات اشترط الفقهاء فيه توافر صلاحية معينة حتى يكون أهلاً للإلزام والالتزام، وقد اصطلح الأصوليون على تسمية هذه الصلاحية بأهلية الآداء([20])، وبشرط ألا تصاب هذه الأهلية بما يسمى بعوارض الأهلية، والحق أن هذه العوارض لا تؤثر إلا في أهلية الأداء فقط فلا تأثير لها في أهلية الوجوب، وسميت عوارض لمنعها بعض الأحكام عن الثبوت([21]) . وهي مثل “الجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والمرض، والموت، والجهل، والسكر، والسفه، والحجر” وغيرها من الأمور التي قد تطرأ على الإنسان فتؤثر على مركزه القانوني أو تحجر على تصرفاته.
- المساواة في العقاب:
وهنا تطبق الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة إلى أوسع مدى يتصوره العقل البشري، ولهذا لا تفرق فى نصوصها بين الرؤساء والمرؤوسين ولا بين الملوك ولا السّوقة، ولا بين ممثلى الشعب وأفراده، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين الرجل والمرأة، فتسوى الشريعة بين الجميع في سريان القانون ومسئولية الجميع عن جرائمهم، ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول فى الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يتميزون على غيرهم وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد.
ولقد كان الرسول r وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازاً، بل كان يقول دائما: ( إنما أنا بَشَر مثلكم )([22]) ، و( هل كنت إلا بشراً رسولا) ([23]).
حدث أن تقاضاه يوماً غريمٌ له ديناً فأغلظ عليه، فهمّ به عمر بن الخطاب، فقال الرسول r :
( مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر)([24]) ، وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل بن العباس، وعلي، حتى جلس على المنبر، ثم قال: ( أيُّها النَّاس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقِد ّمنه، ومن كنت شتمتُ له عِرضاً فهذا عرضى فليستقد منه، ومن أخذتُ له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولايخشى الشحناء من قِبَليِ فإنَّها ليست من شأنى، ألا وإنَّ أحبّكم إلى من أخذ مني حقاً إن كان له أو حللني فلقِيتُ ربي وأنا طيب النفس) ([25]). ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى. وجاء الخلفاءُ من بعده فنسجوا على منواله واهتدوا بهديه.
ولقد حرص الرسول r على تطبيق مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الأفراد، من ذلك: تطبيقُه هذا المبدأ يوم أن سرقت امرأة من أشراف قريش، فتحدث الناسُ أنَّ رسول الله r عزم على قطع يدها، وأعظموا ذلك وكلموا فيها الرسول r فقام خطيباً فقال:( ما إِكثارُكُم علىّ في حد من حدود الله، وقع على أمةٍ من إِماءِ الله؟ والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد نزلت بمثل الذي نزلتْ به لقطع محمدٌ يدها) ([26]).
والقاعدة فى الشريعة الإسلامية أن التعويضات لا يُنظَر فيها إلى شخصية المجني عليه، ولا مركزه ولا ثروته، وإنّما يقدر التعويض على أساس نتيجة الفعل الذي وقع عليه، فإذا قتل شريف ووضيع فديتُهما واحدة([27]).
وكذلك أكدت الشريعة الإسلامية على المساواة فى العقوبة بين الرجل والمرأة، فنفس المرأة كنفس الرجل على سواء والنفس بالنفس إن هلكت، وكون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل كما هو القول الغالب عند أهل الفقه الإسلامي، لا يقتضى ذلك عندهم أن تكون نفسها دون نفسه، إنما ذلك لأنها لقوة عاطفتها قد تضل أو يعرض لها عارض النسيان كما ذكر الله في قوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) ([28]). والنسيان أو الضلال في الفكر هنا لقوة العاطفة وهو لا يقتضى نقص آدميتها، ولا ينقض مساواتها بالرجل، أما الآراء المخالفة لذلك فهى آراء شاذة لا قيمة لها تسقط عند أول وهلة من البحث والتدقيق السليم فلا يلتفت إليها([29])، فلقد روي عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه– ( أنه قتل نفر من أهل صنعاء قتلوا امرأة) ([30]).
هذا بخلاف القانون الوضعي الذي كان حتى آخر القرن الثامن عشر يميز بين الأفراد ولا يعترف بالمساواة بين المحكومين، فكان يميز بينهما في المحاكمة وفي توقيع العقوبة وفي تنفيذها، وكانت المحاكم تتعدد تبعاً لتعدد طوائف الأمة، فهناك محاكم للأشراف، وأخرى لرجال الدين ومحاكم أخرى للجمهور، حتى جاءت الثورة الفرنسية فجعلت المساواة أساساً من الأسس الأولية في القانون، وصارت القاعدة أن تسري نصوص القوانين على الجميع وبالرغم من ذلك لم يكن تطبيق المساواة دقيقاً، فبقيت حالات من التمييز وعدم المساواة واعتبرت استثناءات من مبدأ المساواة مثل تمييز رئيس الدولة وأعضاء الهيئات التشريعية وغيرهم ([31]).
د – المساواة في الحقوق والواجبات العامة:
فلقد قررت الشريعة الإسلامية لكل واحد من الناس حقوقا طبيعية وألزمته بواجبات أساسية، وأسقطت كل نظريات الأجناس والألوان والأعراف واللغات، وجعلت مقياس التفاضل الوحيد هو التقوى فقال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )([32]) ، ويقول الرسول r : ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى). ويقول أيضاً: ( إنَّ الله لاينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ).
فالمساواة تهدف لإزالة الفوارق، وكلّ مظاهر التمييز بين الناس، وتحقيق العدالة لكافة أفراد المجتمع وتمتعهم فيما يتعلق بالحقوق والحريات بصورة متساوية([33]).
ولقد كان النظام الإسلامي فيما يتعلق بالحقوق والحريات العامة أسبق من النظامين الغربى والشرقي على السواء، فلم يكتف بتقرير الحقوق دون إلزام على الدولة بتحقيقها، وإنما خطا النظامُ الإسلامى خطوة أوسع سبق بها كل النظم فجعل التمتع بالحقوق واجباً على المسلمين أنفسهم يأثمون إذا تركوه، فأنشأ النظام الإسلامى مجتمعاً تسوده الحرية الصحيحة والمساواة الحقة، وفي الوقت الذي كان فيه الفرد في أوروبا يرزح في سلسلة من الأغلال سواء من جانب الإمبراطور، أو الكنيسة، أو الحكام كان المسلمون الأوائل في الجزيرة العربية ينعمون بالكثير من الحقوق والحريات على درجة المساواة، فلقد كان للإسلام فضل السبق في إظهار الحقوق للإنسان، وفي إعلان مبدأ المساواة بين الأفراد في ممارسة هذه الحقوق والحريات في القرن السابع الميلادي، أي منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن، بينما لم تبرز الحقوق والحريات فى الفكر الأوروبي إلا عندما ظهر المذهب الفردي الحر فى القرنين السابع عشر والثامن عشر ولم تترجم إلى نصوص دستورية إلا عن طريق الثورتين الفرنسية والأمريكية في نهاية القرن الثامن عشر، ولم تكن المساواة في الشريعة الإسلامية نصوصاً فقط بل تولى الفقه الإسلامي بيانها وتوضيح مفهومها ومضمونها ونطاقها، كما أنها وجدت الحماية الكاملة في ميدان التطبيق العملي خاصة في العهد النبوي وفى عصر الخلفاء الراشدين ([34]) .
كما حضت الشريعة الإسلامية المسلم على الدفاع عن حقوقه ومواجهة كل تعد على حقوقه بل والقتال دونها إن اقتضى الأمر ذلك، فعن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله r يقول: ( من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) ([35])، ([36]).
فالناس سواسية كأسنان المشط
***
([1])أخرجه أبو داود (5116) واللفظ له، والترمذي (3956) مختصراً باختلاف يسير، وأحمد (8736) باختلاف يسير.
([2]) أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (3/100)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5137).
([4]) سورة الحجرات آية رقم 13.
([5]) سنن ابو داود، دار الرسالة العالمية الطبعة الأولى، 2009/،1430 ، كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه، ج1، ص171، حديث رقم 236، أخرجه أحمد 6/256 ، سنن الدرامي، دار المغني للنشر، ط 1421ه/ 2000م ج1، حديث رقم 791، ص591 . ونصه في سنن أبي داود: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ احْتِلاَمًا قَالَ: (يَغْتَسِلُ). وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ: (لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ). فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ، قَالَ: (نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ). قال ابن الأثير: أي نظائرهم وأمثالهم كأنهن شُققن منهم؛ ولأن حواء خلقت من آدم عليه الصلاة والسلام وشقيق الرجل أخوه لأبيه ولأمه؛ لأنه شق نسبه من نسبه، يعني فيجب الغسل على المرأة برؤية البلل بعد النوم كالرجل. انظر: عون المعبود، الناشر محمد عبدالمحسن، الطبعة الثانية 1388ه/ 1968، ج1 ص400.
([6]) انظر: د. رشاد حسن خليل، نظرية المساواة فى الشريعة الاسلامية، ج1، صـ18، مرجع سابق.
([9]) سورة المائدة آية رقم 8 .
([10]) الحديث سبق تخريجه والإشارة إليه، انظر ص16.
([11]) انظر: د. رشاد حسن خليل، نظرية المساواة فى الشريعة الإسلامية، ج1، ص18، مرجع سابق.
([12]) سورة الأحزاب آية رقم 35 .
([13]) انظر: رشاد حسن خليل، نظرة المساواة فى الشريعة الاسلامية ، ج1، ص19، مرجع سابق.
([15]) سورة الإسراء آية رقم 15 .
([16]) انظر: علاء الدين عبدالعزيز احمد البخاري، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ج4، ص237، بدون تاريخ نشر .
([17]) انظر: د. مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي، دار القلم، دمشق، ج2، ص783 .
([18]) انظر: الإمام محمد أبو زهرة، أصول الفقه، دار الفكر العربي1433ه/ 2012م، ص299 .
([19]) انظر: د. محمود بلال مهران، الحكم الشرعي، دار الثقافة العربية، صــ 167 ، 168.
([20]) أهلية الأداء هي: صلاحية الإنسان لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا، أي صلاحيته لممارسة التصرفات التي يتوقف اعتبارها الشرعي على العقل، وهي تنقسم إلى قسمين: أهلية أداء ناقصة وتثبت بالقدرة الناقصة للعقل؛ كما في الصبي المميز والمعتوه، وأهلية أداء كاملة وتثبت بالقدرة الكاملة للعقل؛ كما في الإنسان البالغ غير المعتوه. راجع في ذلك الامام سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح بمصر، ج2 ، ص321، يوسف بن حسين الكرمستاني الحنفي العثماني، الوجيز في أصول الفقه، ط 1405ه/2003 م ، كلية الشريعة ، الجامعة الأردنية، تحقيق محمد ماهر بدر، ص 92.
([21]) انظر: د. محمود بلال مهران، الحكم الشرعي ، المرجع السابق صــ 211 .
([22]) سورة الكهف آية رقم 110.
([23]) سورة الإسراء آية رقم 93.
([24]) رواه ابن ماجه في سننه باب السلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم، حديث رقم 2291، ابن حبان في صحيحه باب ذكر الاستحباب للمرء أن يأمر بالمعروف من هو فوقه ومثله ودونه، حديث رقم 287، الحاكم في المستدرك باب وأما حديث إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، حديث رقم 2197
([25]) رواه البزار في مسنده، باب عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس ، عن الفضل، حديث رقم 1903، الروياني في مسنده، باب حديث الفضل بن العباس ، حديث رقم 1331، العقيلي في الضعفاء باب القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط، حديث رقم 1693، البيهقي في السنن الكبير، باب رجوع الضامن على المضمون عنه بما غرم وضمن بأمره، حديث رقم 10684.
([26]) أخرجه الإمام مسلم، صحيح مسلم، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، حديث رقم 1688، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، ص1315، سنن ابن ماجة ، كتاب الحدود ، باب الشفاعة في الحدود، حديث رقم 2644.
([27]) انظر:ابن جُزَي الكلبي الغرناطي، القوانين الفقهية، ص227، بدون تاريخ ودار نشر، الإمام ناصر الدين أبي القاسم محمد بن يوسف السمرقندي، الفقه النافع، مكتبة العبيكان، ط 1420ه، تحقيق د. ابراهيم العبود، ج6، ص1357، د. عبدالقادر عودة، التشريع الجنائى مقارناً بالقانون الوضعي، دار الحديث 2009، ج 1، ص 240، 250.
([28]) سورة البقرة آية رقم 282 .
([29]) انظر: الإمام محمد أبوزهرة، العقوبة، دار الفكر العربى 1990، ص268 وما بعدها، بتصرف.
([30]) انظر: الموطأ، للإمام مالك بن أنس، دار الفجر للتراث، ط1426/2005، تحقيق: حامد أحمد الطاهر، باب ما جاء في قتل الغيلة والسحر، ص 580، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، كتاب الجنايات، باب قتل الجماعة بالواحد، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي، ، ص360 ، الإمام محمد أبوزهرة، العقوبة، دار الفكر العربى 1990، ص268 وما بعدها، بتصرف.
([31]) انظر: د. عبدالقادر عودة، التشريع الجنائى مقارناً بالقانون الوضعي، ج1 ، ص 235.
([32]) سورة الحجرات آية رقم 13.
([33]) انظر: د. رشاد حسن خليل، نظرية المساواة فى الشريعة الاسلامية، ج1، ص44.
([34]) انظر: د. محمد صلاح عبدالبديع، الأصول الإسلامية لمنظومة الحقوق والحريات المعاصرة، دار النهضة 2009، ص 13 وما بعدها .
([35]) انظر: سنن الترمذي، للإمام أبو عيسى محمد الترمذي، ص1421، وقال عنه حديث حسن ، الجامع الصغير، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1425/2004، جلال الدين السيوطي، حديث رقم 8917، وقال حديث صحيح ، نيل الأوطار، للشوكاني، دار الحديث 2005، ج5، ص 345، فى باب دفع الصائل وإن أدى إلى قتله.
([36]) انظر: د محمود عبدالرحمن محمد ، نطاق الحق فى الحياة الخاصة، دار النهضة العربية، بدون تاريخ نشر، صـ67.

